احتفلت ​مدينة صور​ بعيد انتقال السيّدة العذراء، حيث اقيمت القداديس والزياحات في الكنائس والأديرة ورفعت الصلوات.

وفي ​كاتدرائية القديس توما الرسول​ في صور ترأس راعي أبرشية صور للروم الملكيين الكاثوليك المتروبوليت جورج إسكندر، القداس الإلهي، عاونه الابوان بشارة كتورة وريشار فرعون، بحضور أبناء الرعية والمؤمنين.

وبعد الانجيل، ألقى اسكندر عظة قال فيها: "في هذه الأمسية المباركة، عشية عيد رقاد سيّدتنا والدة الإله وانتقالها إلى السماء، نجتمع في كاتدرائيّتنا في صور حول المذبح، ونرفع أنظارنا إلى مريم، لا لنودّعها، بل لنحتفل بالحياة التي انتصرت فيها على الموت. ولهذا لا تسمّي الكنيسة موت العذراء نهايةً، بل رقادًا وانتقالًا. فالذي يعيش مع الله لا يسير نحو العدم، بل ينتقل من حياة إلى حياة، ومن الرجاء إلى تحقيق الرجاء، ومن الإيمان إلى المعاينة".

أضاف: "ويكتسب احتفالنا الليلة معنى عائليًّا خاصًّا، لأنّ هذا العيد ممسوك منذ سنوات من ​عائلة بشواتي​ الكريمة، التي حافظت على هذه الأمانة جيلًا بعد جيل. وفي هذه الليلة، نستذكر بمحبّة ووفاء من حملوا هذه الأمانة وسبقونا إلى بيت الآب، وبخاصّة ​وديع بشواتي​، وزوجته ​جانيت الخوري​، وأولادهما جان وليلى، ونحيّي بمحبّة الذين يواصلون هذه الأمانة اليوم، وبخاصّة ​أنطوان​يت، أنطوان، ​ميشال​، ​نقولا​، و​متري​، ومعهم جميع أفراد العائلة، سائلين الربّ أن يحفظهم ويبارك بيوتهم وأبناءهم".

وتابع: "في إنجيل العيد، رفعت امرأة من الجمع صوتها وقالت ليسوع:"طوبى للبطن الذي حملك، وللثديين اللذين رضعتهما". فأجابها: "بل طوبى للذين يسمعون كلمة الله ويحفظونها". بهذه الكلمات يكشف لنا يسوع سرّ عظمة أمّه. مريم لم تكن عظيمةً فقط لأنّها حملت المسيح في أحشائها، بل لأنّها حملت كلمة الله في قلبها. سمعت وحفظت. قال لها الملاك كلامًا يفوق عقل الإنسان، فقالت: "ليكن لي بحسب قولك". قال لها سمعان: "إنّ سيفًا سيجوز في نفسها، فحفظت كلامه". وعندما وقفت تحت الصليب، ولم تعد تفهم كيف يمكن لوعد البشارة أن ينتهي إلى الجلجلة، بقيت واقفة. وهنا نتعلّم منها شيئًا نحن بأمسّ الحاجة إليه: الإيمان ليس أن نفهم كلّ شيء؛ الإيمان أن نبقى مع الله حتى عندما لا نفهم. وكم مرّةً اختبرنا نحن ذلك، في حياتنا الشخصيّة، وفي عائلاتنا، وفي ما مرّ على صور والجنوب، كانت هناك أسئلة كثيرة لم نجد لها جوابًا. لماذا يحدث هذا؟ لماذا نفقد من نحبّ؟ لماذا نتألّم؟ لماذا يطول الانتظار؟ مريم لا تعطينا الليلة جوابًا نظريًّا عن الألم. إنّها تعطينا شيئًا أقوى: "تعطينا طريقتها في مواجهته". كانت تحفظ في قلبها ما لا تستطيع أن تفهمه بعقلها، وتترك لله أن يكمل الطريق. ولعلّ عيد الرقاد يجعلنا نفكّر أيضًا في بيوتنا وعائلاتنا. كلّ عائلة تحمل أسماءً لم تعد تجلس إلى المائدة. هناك صوت نفتقده، ووجه نتمنّى لو نراه مرّةً أخرى، وكرسيّ بقي في الذاكرة حتى بعدما غاب صاحبه. ولهذا، عندما نذكر الليلة "أبو فؤاد وأم فؤاد، وليلى وجان، ويذكر كلّ واحد منّا أمواته، لا نذكرهم بحزن من يعتقد أنّ كلّ شيء انتهى. نضعهم بين يدي الله ونقول: "يا ربّ، الذين أحببناهم كثيرًا، أنت أحببتهم قبلنا وأكثر منّا." وهذه هي تعزية عيد اليوم: أحبّاؤنا لا يسقطون في العدم، بل يسقطون في يدي الله. والمحبّة التي عشناها معهم لا يدفنها قبر. لكنّ العيد لا يتكلّم عن الراقدين فقط، بل يسألنا نحن الأحياء: "ماذا سنفعل بالوقت الذي ما زال الله يعطينا إيّاه"؟.

وتابع اسكندر: "كم من أمّ وأب ما زالا بيننا، ونحن نؤجّل زيارتهما، وكم من كلمة محبّة نؤجّل قولها، وكم من مصالحة نؤجّلها لأنّنا نظنّ أنّ أمامنا متّسعًا من الوقت، عيد الرقاد يذكّرنا بأنّ الحياة ثمينة لأنّها ليست بلا نهاية على هذه الأرض. لذلك، لا تؤجّلوا المحبّة. زوروا أهلكم ما داموا بينكم. اسمعوا كباركم قبل أن يصبح صوتهم ذكرى. تصالحوا قبل أن يصبح الاعتذار مستحيلًا. وقولوا لمن تحبّون إنّكم تحبّونهم، وهم قادرون على سماعكم. ومن هنا أيضًا نفهم جمال أمانة عائلة بشواتي لهذا العيد. فأجمل ما تورّثه العائلة لأبنائها ليس المال ولا الأرض ولا البيت فقط، أجمل ميراث أن يستطيع الابن بعد سنوات أن يقول: كانت أمّي تصلّي. كان أبي يأخذني إلى الكنيسة. كان في بيتنا مكان لله. ولهذا، فإنّ التمسّك بالاحتفال بهذا العيد ليس مجرّد تقليد يُحافَظ عليه، بل هو إيمان يُسلَّم من جيل إلى جيل. وما أجمل أن يعرف الأحفاد يومًا أنّ من سبقوهم أحبّوا هذا العيد، وأنّ ​أنطوانيت​ وميشال ونقولا ومتري حافظوا على الأمانة وسلّموها إليهم".

وقال: "في هذه الليلة، نضع أمام والدة الإله كاتدرائيّتنا، ومدينة صور، وجنوبنا، ولبنان، وكلّ عائلاتنا. نذكر أمامها راقدينا، ونطلب منها أن تحفظ أحياءنا. ونقول لها: يا أمّنا مريم،علّمينا أن نسمع كما سمعتِ، وأن نحفظ كما حفظتِ، وأن نثق عندما لا نفهم، وأن نبقى واقفين عندما تثقل الصلبان، وأن نحبّ قبل أن يفوت أوان المحبّة".

وختم اسكندر: "أوجّه معايدتي القلبيّة إلى كلّ من تحمل اسم أمّنا مريم العذراء، أو اسمًا متفرّعًا من اسمها المبارك، وإلى كلّ من اتّخذتها شفيعةً لها، أو لبيتها، أو لعائلتها. وليكن هذا العيد لهنّ ولعائلاتهنّ مناسبة نعمة وبركة، ولتظلّ والدة الإله حاضرةً في بيوتهنّ، حارسةً لخطاهنّ، وقائدةً لهنّ إلى ابنها، مصدر كلّ سلام ورجاء".

واختُتم الاحتفال بزياح مريمي، تقدّمه المتروبوليت إسكندر والكهنة والمؤمنون إلى باحة الكاتدرائية في صور.